الحسن بن محمد البوريني
17
تراجم الأعيان من أبناء الزمان
فلما جاءه الرجل ذهب إليّ الشيخ وقال لي : اذهب معي يا فلان . فذهبت معه . فاستأذن على الشيخ . فلما رآه قال له : يا شهاب الدين ! افت ، فقد اذنت لك في الافتاء . فقبّل الطيبي يد الشيخ وبكى ، وقال : يا سيدي ! جعل اللّه في عمرك البركة . أيفتى وأنت في المدينة حيّ ترزق ؟ فقال له : واللّه يا شهاب الدين إنّ نفسي لتطيب بفتواك . فأفت ، فقد أذنت لك في ذلك . فتوقف الطيبيّ المذكور . فألزمه الشيخ بالكتابة على الاستفتاء بحضرته . فكتب عليه امتثالا لأمر الشيخ ، وعرض ما كتب على الشيخ ، فقال له : أحسنت وأصبت في ما كتبت . وخرج من عنده ، وشرع في الإفتاء بعد ذلك من غير توقف . وكان رحمه اللّه تعالى يباشر الدرس [ تحت ] « 1 » القبة بالجامع الأموي كلّ يوم بعد الظهر إلى قريب العصر . وكنت قد قرأت عليه « الارشاد » للمولى العلّامة إسماعيل بن المقري . وكان يهتمّ بمطالعته إلى الغاية . ولازمته سنين عديدة ليلا ونهارا . وأحبّني وجذبني اليه . وكان يصحبني في نزهته وعند الذهاب إلى بعض قرى دمشق للتنزّه . وكنت أبيت عنده في بيته الكائن في محلّة القيمرية . وكان ينظم الشعر كثيرا . وكان قد أحبّ بعض أحداث دمشق وحصل له بسببه ضرر عظيم ، حتى قيل إنه كان سببا لتلافه ، وإنه سقاه مسموما فلم يزل يتمرّض حتّى صار كالطفل الصغير . وكان يحمل إلى الحمام فيرى كالطفل الصغير الذي يحمله أبوه إلى الحمّام . وباع غالب كتبه في مرضه . وبالجملة فهو ممّن تشرفت به دمشق . غير أنه لم تطل به أعوامه ، ولم تصف له أيّامه . وكان له قريب من أولاد عفيف الدين يقال له محمد بن عفيف الدين .
--> ( 1 ) الزيادة من ه ، ب